تعد قضية جعل "تقييم الناس" ميزاناً للقيمة الذاتية أو بوصلة للأخلاق من أكثر القضايا التي ترهق النفس وتشتت الفكر. من منظور نفسي ومنطقي، وأيضاً من منظور ديني، يعتبر هذا التوجه خطأً فادحاً ويحمل أضراراً عميقة.
1. تقييم الناس "متغير وغير مستقر"
الناس يحكمون بناءً على أمزجتهم، تجاربهم الشخصية، ومصالحهم اللحظية.
المشكلة: إذا بنيت قيمتك على رأي الناس، ستعيش في حالة من التذبذب. ما يمدحه شخص اليوم قد يذمه غدًا، وما يعجب مجموعة قد لا يعجب الأخرى.
النتيجة: ستفقد هويتك الحقيقية في محاولة إرضاء الجميع، وهو "غاية لا تُدرك".
2. غياب المعايير الموضوعية
البشر بطبعهم ناقصون، ورؤيتهم للأمور محكومة بـ "الهوى" أو النقص في المعلومة.
هم لا يرون إلا الظاهر من أفعالك، ولا يعلمون عن نيتك أو ظروفك شيئاً.
اتخاذهم كمصدر للتقييم يعني أنك تُسلم قيادك لشخص لا يملك الصورة الكاملة، وهذا ظلم لنفسك.
3. المنظور الديني (عدم الجواز المعنوي)
في الإسلام، جعل رضا الناس هو المحرك الأساسي قد يدخل في دائرة "الرياء"، وهو شرك أصغر.
الأصل: أن يكون المعيار هو "رضا الله" ثم "الضمير الحي المستمد من الحق".
يقول الرسول ﷺ: "مَنِ التَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ" (رواه الترمذي).
الخلاصة: من جعل الناس وجهته، خذلوه وتركوه.
4. فقدان الاستحقاق الذاتي
عندما يكون تقييمك مستمداً من الخارج، تصبح عبداً لكلمة مديح أو ذم.
المديح: يرفعك إلى كبر زائف.
الذم: يحطمك ويصيبك بالإحباط والاكتئاب.
الصواب هو أن تستمد قيمتك من إنجازاتك الحقيقية، مبادئك، وأخلاقك الثابتة التي لا تتغير بتغير آراء الآخرين.
كيف تتحرر من هذا القيد؟
فرق بين "النصيحة" و"التقييم": استمع للنقد البناء لتتطور، لكن لا تسمح له أن يحدد "من أنت".
اجعل مرجعيتك داخلية: اسأل نفسك: "هل أنا راضٍ عما فعلت أمام الله وأمام ضميري؟" إذا كانت الإجابة نعم، فلا يضرك كلام من تكلم.
آمن بخصوصيتك: أنت لست نسخة مطلوبة من المجتمع، أنت إنسان لك كيانك المستقل.
نصيحة ختامية: "من اعتمد على الناس مَلّ، ومن اعتمد على ماله قَلّ، ومن اعتمد على جاهه ذَلّ، ومن اعتمد على الله فلا مَلّ ولا قَلّ ولا ذَلّ."
بقلم : فيصل بن احمد البقمي