المعضلة ليست في "صعوبة العصر"، بل في "جريمة التدليل"!
كشفت دراساتٌ نفسية حديثة عن ظاهرة تُسمى (الهشاشة النفسية)؛ لقد تحولت بعض بيوتنا إلى "بيوتٍ زجاجية" توفر كل سبل الراحة المادية، لكنها تقتل روح "المكابدة" في نفوس الأبناء. نحن نعيش في عصر (الكبسة الواحدة)؛ كل شيء متاح، كل شيء سهل، والنتيجة: جيلٌ يملك "ذكاءً تكنولوجياً" مذهلاً، لكنه يملك "إرادةً" من ورق.
والآن.. إليكم "المفارقة المذهلة" التي ستغير الكثير من المفاهيم:
في تجربة اجتماعية، وُجد أنَّ الأبناء الذين تدربوا على (تأجيل اللذة) والصبر على المشاق حققوا نجاحاتٍ معرفية تفوق بأضعاف أولئك الذين نشؤوا في بيئات (متساهلة). الوفرةُ المادية حين لا يقترن بها "حزمٌ تربوي" تتحول إلى "عجزٍ مقنع" يغتال قدرة الإنسان على الإنجاز.
نحن في شهر رمضان، الشهر الذي فُرِض أصلاً ليكون (مدرسةً للسيادة على النفس) ولترويض الروح على الانضباط؛ لكننا أحياناً وبدون وعي، نحوله إلى "موسمٍ للتدليل المفرط". نحن نربي أبناءنا على أنَّ "الألم" أو "التعب" هو عدو يجب الهروب منه، بينما الحقيقة هي أنَّ (الصبر هو وقود العظمة). لا يوجد إنسانٌ ترك أثراً في التاريخ وهو مستلقٍ على أريكة الراحة التامة.
نحن نمر بمرحلة "التزييف التربوي":
إنَّ الأب الذي يظن أنه يُحسن لابنه حين يرفع عنه كل مسؤولية، هو في الحقيقة "يضعفه"؛ لأنه يُعدّه لعالمٍ وهمي لا وجود له. الحياة لا تمنح مكاناً لمن لا يتقن مهارة (المجاهدة). السيادة القادمة ليست لمن يملك "أحدث الأجهزة"، بل لمن يملك "أصلب الإرادات".
ولو نظرتم إلى خارطة المتفوقين في العالم، ستجدون أنَّ الذين بذلوا الجهد في ظروفٍ عادية، هم من يكتسحون المقاعد الأولى، لأنَّ (الحاجة هي أُم الإبداع، والإرادة هي أُم الرجال).
الخلاصة:
من فضل الله أن تملك المال، لكن الخطأ أن تجعل ابنتك أو ابنك يظنان أنَّ هذا الرخاء هو "قَدَرٌ أبدي" لا يحتاج لبذل. رمضان هو فرصتنا الكبرى لنعيد زرع (قيمة الانضباط) في نفوسنا؛ فمن لم يتعلم كيف يقول (لا) لشهوته، لن يستطيع يوماً أن يقول (نعم) لطموحه الكبير.
أخيراً.. الوقتُ الآن هو وقتُ "الاستثمار في الإنسان". علينا أن نخرج أبناءنا من دائرة (المستهلك المدلل) إلى رحاب (الإنسان المستخلف)؛ فالمستقبل يُبنى بالنفوس التي اعتادت العطاء، لا بالأيادي التي اعتادت الأخذ فقط.
علّموهم القوة.. وازرعوا فيهم الكتاب.
د. عبد الكريم بكار
