الضياء الثقافية ــ جيزان
الضياء الثقافية ــ جيزان
فلسفة الغياب في "سأسير وحيدا"
تبدأ القصيدة بإعلان صارم عن رحلة اغتراب ذاتية. الشاعر هنا لا يختار الوحدة رغبة فيها بل يتقبلها كقدر فرضه "الآخر" عليه. في قوله: سأسير وحيدا في الدرب.. مادمت رغبت عن القرب
نجد تجسيدا لشموخ المحب الذي رغم انكساره يظل متمسكا بكرامة الحرف. إنها حالة من الوجد التي تتجاوز مجرد الحزن لتبلغ مرحلة "المسامرة مع البدر" و"عد النجوم" وهي صور كلاسيكية أعاد الدهاس صياغتها بروح حديثة تجعل القارئ يشعر بثقل الليل وسهر العيون.
الجمال الفتان وسحر الوصف
انتقل سيد الحرف في قصيدته من تصوير الألم إلى تعليل هذا الحب. لم يكن عشقا عابرا بل كان انجذابا لجمال استثنائي وصفه الشاعر بأنه:
نور وبهاء: في الوجه الذي يضيء عتمة المسير.
فتون يسبي: في العينين اللتين ملكتا زمام أمره.
تفرُّد: حيث يرى الشاعر جمال محبوبه متفوقا على ما رآه في "العجم والعرب".
هذا التغني بالجمال ليس مجرد غزل سطحي بل هو تبرير لحالة "التبتّل" في محراب هذا الحب الذي جعل الشاعر يغطي محبوبه بـ "الهدب" خوفا عليه وعلى مكانه الساكن في العين.
الصراع بين القسوة والرجاء
تتجلى براعة أحمد الدهاس في تصوير "قسوة القلب" التي شبهها بـ "جلمود صلب". هذا التشبيه المستمد من قوة الطبيعة يعكس حجم المعاناة التي يواجهها أمام صدود المحبوب. ومع ذلك تظل نبرة الرجاء هي الخاتمة والغاية: لا أرجو شيئا إلا أن.. تبقى طول العمر بجنبي
هذا البيت يختصر فلسفة الدهاس الشعرية؛ فالنهاية دائما تعود إلى المركز وهو "القرب" رغم كل الوعيد بالسير وحيدا.
لماذا لقب بـ "سيد الحرف"؟
استحق الدهاس هذا اللقب لأنه يمتلك قدرة فائقة على:
بناء الصورة الشعرية: التي تجمع بين البساطة والعمق والتصوير الادبي.
الموسيقى الداخلية: حيث تنساب الأبيات برتم هادئ يشبه نبض القلب المتعب.
الصدق العاطفي: الذي يجعل المتلقي يشعر بأن القصيدة كتبت عنه ولأجله.
إن قصيدة "سأسير وحيدا" ليست مجرد أبيات منظومة بل هي زفرة وجدانية صاغها ملك الحرف لتبقى خالدة في ذاكرة الأدب تعبر عن كل روح عرفت الحب وعانت من لوعة الفراق.
بقلم . حسين شراح