وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }

الضياء الثقافية  ــ  جيزان 

في سماء الشعر العربي المعاصر يبرز اسم الشاعر أحمد الدهاس الملقب بـ "سيد الحرف" كعلامة فارقة في كتابة القصيدة الوجدانية التي تلامس شغاف القلب. هو الشاعر الذي طوع اللغة لتكون مرآة لروحه فجاءت قصيدته "سأسير وحيدا" لتؤكد استحقاقه لهذه الألقاب الكبيرة حيث امتزجت فيها عذوبة اللفظ بحرقة المعنى.

فلسفة الغياب في "سأسير وحيدا"

سأسير وحيدا

سأسير وحيدا في الدربِ
مادمت رغبت عن القُرْبِ

مادام خيارك ان أمشي
منفرداً في درب الحب

ما دام خيارك أن أحيا
مكلوماً مكسور القلب

البدر أسامرُ في ليلي
وأعُدُّ نجوماً في السُّحْبِ

وتبيت عيوني ساهدةً
ودموعي تمكُث في السَّكْبِ

يا ملك الحُسن ويا حِباًّ
تيَّمني بالقول العذب

قد أعطاك الله خصالا
كانت أسباباً في جذبي

وجمالا لم أشهدْ يوماً
مثله في العُجْمِ وفي العُرْب

فبوجهك نورٌ وبهاءٌ
وبعينيك فتونٌ يُسْبي

يا محبوبا يسكن عيني
وعليه أُغَطِّي بالهدْب

ياليتك تعلم ما أشكو
من فعل بعادك ياحُبي

فهمومي تترا في صدري
ويزيد بأعماقي كربي

قد زدت صدودا وبعادا
عن عيني يانبع الطِّيب

وقساوة قلبك قد أمست
كقساوة جلمودٍ صلْبِ

ياليتك يوما ترأف بي
وتُبيِّنُ ماكنت تخبِّي

من أشواقٍ ومشاعرَ في
قلبك عنها  لم تُنْبي

فتعود ربانا معشبةً
من بعد الشدَّة والجدْب

يا معشوقا قد أبلاني
بهواه في الدنيا ربي

لا أرجو شيئا إلا أن
تبقى طول العمر بجنبي

كلمات الشاعر أحمد دهاس

تبدأ القصيدة بإعلان صارم عن رحلة اغتراب ذاتية. الشاعر هنا لا يختار الوحدة رغبة فيها بل يتقبلها كقدر فرضه "الآخر" عليه. في قوله: سأسير وحيدا في الدرب.. مادمت رغبت عن القرب

نجد تجسيدا لشموخ المحب الذي رغم انكساره يظل متمسكا بكرامة الحرف. إنها حالة من الوجد التي تتجاوز مجرد الحزن لتبلغ مرحلة "المسامرة مع البدر" و"عد النجوم" وهي صور كلاسيكية أعاد الدهاس صياغتها بروح حديثة تجعل القارئ يشعر بثقل الليل وسهر العيون.

الجمال الفتان وسحر الوصف

انتقل سيد الحرف في قصيدته من تصوير الألم إلى تعليل هذا الحب. لم يكن عشقا عابرا بل كان انجذابا لجمال استثنائي وصفه الشاعر بأنه:

  • نور وبهاء: في الوجه الذي يضيء عتمة المسير.

  • فتون يسبي: في العينين اللتين ملكتا زمام أمره.

  • تفرُّد: حيث يرى الشاعر جمال محبوبه متفوقا على ما رآه في "العجم والعرب".

هذا التغني بالجمال ليس مجرد غزل سطحي بل هو تبرير لحالة "التبتّل" في محراب هذا الحب الذي جعل الشاعر يغطي محبوبه بـ "الهدب" خوفا عليه وعلى مكانه الساكن في العين.

الصراع بين القسوة والرجاء

تتجلى براعة أحمد الدهاس في تصوير "قسوة القلب" التي شبهها بـ "جلمود صلب". هذا التشبيه المستمد من قوة الطبيعة يعكس حجم المعاناة التي يواجهها أمام صدود المحبوب. ومع ذلك تظل نبرة الرجاء هي الخاتمة والغاية: لا أرجو شيئا إلا أن.. تبقى طول العمر بجنبي

هذا البيت يختصر فلسفة الدهاس الشعرية؛ فالنهاية دائما تعود إلى المركز وهو "القرب" رغم كل الوعيد بالسير وحيدا.

لماذا لقب بـ "سيد الحرف"؟

استحق الدهاس هذا اللقب لأنه يمتلك قدرة فائقة على:

  1. بناء الصورة الشعرية: التي تجمع بين البساطة والعمق والتصوير الادبي.

  2. الموسيقى الداخلية: حيث تنساب الأبيات برتم هادئ يشبه نبض القلب المتعب.

  3. الصدق العاطفي: الذي يجعل المتلقي يشعر بأن القصيدة كتبت عنه ولأجله.

إن قصيدة "سأسير وحيدا" ليست مجرد أبيات منظومة بل هي زفرة وجدانية صاغها ملك الحرف لتبقى خالدة في ذاكرة الأدب تعبر عن كل روح عرفت الحب وعانت من لوعة الفراق.


بقلم . حسين شراح 

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع