الضياء الثقافية - جازان : علي مناع
في حضرة الكلمة الانيقة والبوح الصادق يطل علينا "سيد الحرف" الشاعر القدير أحمد دهاس بنص شعري يفيض عذوبة ورقة تحت عنوان "أنا أنت وأنت أنا". هذه القصيدة ليست مجرد ابيات مرصوفة بل هي ترنيمة عشق صوفية الطابع فلسفية الابعاد تعيد صياغة مفهوم الوحدة الشعورية بين المحبين.
لقد استطاع الشاعر ببراعته المعهودة ان يمزج بين بساطة اللفظ وعمق المعنى لينقل القارئ من عالم التعدد الى عالم الاتحاد حيث لا فواصل ولا حدود. نحن هنا امام تجربة انسانية فريدة صاغها "ملك الكلمة" ليرسم بها ملامح الحب في انقى صوره واجمل تجلياته الروحية.
فلسفة الحلول والاندماج الشعوري
يبدا الشاعر قصيدته باعلان صريح وقوي: "أنا أنت وأنت أنا". هذا التكرار ليس مجرد تاكيد لفظي بل هو ارساء لقاعدة فلسفية تقوم عليها القصيدة كاملة. يرى الشاعر ان المشاعر والعواطف قد "تجانستا وتطابقتا" لدرجة ان الفوارق الفردية تلاشت تماما.
استخدم الشاعر تشبيها علميا بليغا في قوله:
بإحساس قد انجذبا لبعضهما.. كمغنطسين والتصقا
هذا التشبيه يخرج بالحب من اطاره التقليدي الى اطار القوة الطبيعية القسرية التي لا يمكن مقاومتها. هو انجذاب فطري وعميق يجعل من الطرفين كيانا واحدا لا يقبل التجزئة.
تجليات الوحدة الروحية
ينتقل دهاس في مقاطع القصيدة لوصف هذا الاتحاد من زوايا مختلفة:
وحدة الروح: حيث تصبح الروحان روحا واحدة "ترتوي حبا" و"ترتدي ثوبا" من العشق.
وحدة القلب: فالفؤادان اقترنا ليصبحا قلبا واحدا ينبض بالسعادة والهناء.
وحدة الجسد والدم: حين يصف الهوى بانه يجري "بداخل جسمنا في الدم" مما يدل على تغلغل الحب في ادق تفاصيل الكيان المادي والمعنوي.
الطبيعة والكون كمرآة للحب
لا يحصر الشاعر حبه في زاوية ضيقة بل يجعله شموليا يمتد ليشمل الكون كله. عندما يتحقق الوصل يشعر المحبان بان الدنيا "تغني في الهوى" معهما وان "الكون قد أمسى.. لنا". هذا الارتقاء بالمشاعر يجعل من تجربة الحب وسيلة لامتلاك الوجود وفهمه بمنظور مختلف تماما يسوده الفرح والنشوة.
الاخلاص والوفاء المطلق
في ختام القصيدة يؤكد الشاعر على حتمية هذا الحب وتفرده. فالمحبوب هو الساكن الوحيد في "شغاف الفؤاد" وهو الذي لم يفتتن الشاعر بغيره ابدا. هنا تظهر نبرة التحذير الرقيق من الجفاء والفراق لان هذا الاتحاد جعل من المحب "وطنا" للمحبوب وضياع هذا الوطن يعني الموت المعنوي والجسدي.
تميزت قصيدة الشاعر أحمد دهاس بسلاسة اللفظ وعمق المعنى. لقد استطاع "ملك الكلمة" ان يرسم لوحة فنية لغوية تفيض بالعفوية والصدق. هي دعوة للحب الطاهر الذي يزيد "طهارة ونقا" مع مرور الزمن وهي تاكيد على ان الحب الحقيقي هو الذي يجعل من الاثنين واحدا في الفكر والشعور والمصير .
