من عمق الصحراء الممتدة على بساط السكون، حيث تلتحم صفحة السماء برمال الأرض الذهبية، وُلِد الشِّعر طفلاً بكراً يُرضع من ثدي الأصالة. هناك، حيث يتنفس الإنسان هواء النقاء المطلق، ويسامر أنين الإبل وحنينها على نغمات الربابة يخرج الشاعر حاملاً في صوته بَوْح الصحراء ووجعها وعزّها. هو ابن البادية الذي عشق اللحن البدوي العتيق، وهام بشعره بين البراري والقفار، يستنطق الحجارة ويساري الرياح ليصنع من مفردات البدو سياجاً من المجد والجمال نقف اليوم في حضرة قامة شعرية تنبض بروح الصحراء وتغزل من خيوط الشمس وسكون الليل قصائد تعيد للكلمة هيبتها، وللإبداع نبضه الخالد نرحب بكم في لقاء مع الشاعر: فواز الأسلمي
نبذة تعريفية عن بداياتك، متى اكتشفت شغفك بالشعر، وكيف كانت انطلاقتك الحقيقية نحو الساحة؟
الشاعر فواز الأسلمي: بداياتي كانت كأي شاعر ينشأ في بيئة غنية بالموروث والأصالة؛ حيث الشعر النبطي هو لسان حال المجتمع في حائل ومنطقة تبوك وغيرها. كنت أكتب وأقرأ بمتعة خالصة، ولم أكن أبحث عن الظهور المجرد بقدر ما كنت أبحث عن المعنى الحقيقي للكلمة. أما الانطلاقة الحقيقية التي وضعتني أمام جماهير الشعر العريضة وأتاحت لي فرصة إيصال صوتي فهي دون شك المشاركة في قصائد المحاورة والمناسبات .
يُعرف عنك الهدوء في شخصيتك، لكنك كتبت قصائد وداع ومؤثرة مثل قصيدة اتصبر على الفرقه ، ما قصتها؟
الشاعر فواز الأسلمي: صحيح، قد يلاحظ البعض تناقضاً بين شخصيتي العادية في الواقع وبين ما تحمل بعض قصائدي من حدة أو طرح لقضايا اجتماعية ونفسية عميقة. قصيدة «اتصبر على الفرقه » ولدت من رحم معاناة وفراق وتأمل حقيقي فالشاعر الصادق هو الذي يترجم هموم الناس ويسلط الضوء على المواقف التي يعجز الكثيرون عن التعبير عنها بالكلمات. القصيدة التي لا تلامس الواقع وتخرج من التجربة الذاتية البحتة تفقد روحها بسرعة.
في زمن السوشيال ميديا وتطبيقات التواصل، كيف ترى علاقة الشاعر بالإعلام، وهل خدم الشعر الحديث أم أضر به؟
الشاعر فواز الأسلمي: وسائل التواصل الاجتماعي فتحت باباً واسعاً لكل الناس وهذا جانب إيجابي عظيم. لكن السلبي في الأمر هو كثرة "الفقاعات" وغياب الشعر الهادف الحقيقي، مما جعل البعض يعتقد أن كثرة الظهور تعوض ركاكة النص . الشاعر الحقيقي يجب أن يدرك أن البقاء للعمل الجزل القوي الذي يحفظه التاريخ، وليس للظهور العابر والمؤقت الذي ينتهي بنهاية اليوم .
هل تفضل شعر النظم أم المحاورة، وكيف تجد الفرق بينهما من حيث الصعوبة والتأثير؟
الشاعر فواز الأسلمي: شعر النظم بلا شك هو الأثقل والأصعب لأنه ولادة هدوء وتأمل وبحث عن السبك والمعنى العميق بعيداً عن صخب الميادين، بينما المحاورة فن اجتماعي يعتمد على سرعة البديهة والفتل والنقض الفوري. أنا أميل أكثر للنظم لأنه يتيح للشاعر أن يكتب بعمق وروية، وكل منهما له جمالياته ومحبيه ، لكن النظم يبقى هو السجل الأخلد للشاعر.
يقال إن الشاعر الحقيقي يجب أن يكتب بلهجته الصادقة، إلى أي مدى تؤمن بهذه المقولة؟
الشاعر فواز الأسلمي: أؤمن بها تماماً؛ فالشاعر الحقيقي لا تكلف في لغته، وعليه أن يكتب باللسان القريب من قلبه وبيئته. اللهجة المحلية الأصيلة إذا سُبكت بصياغة شعرية محكمة، تعطي النص عذوبة وقبولاً لا تجده في الألفاظ المتكلفة أو المصطنعة. الصدق الفني يبدأ من صدق الانتماء للّهجة والبيئة.
كيف علاقتك بالصحراء هل تعشق البر؟
الشاعر فواز الاسلمي: نعم، أعشق البر والصحراء؛ فهما ملهمتان لكل روح تبحث عن الصفاء والنقاء. فالصحراء ليست مجرد رمال ومساحات ممتدة، بل هي مهد الإلهام ومرتع الخيال، والشعر بطبعه يحب الخلوة والهدوء، ولا مكان أصفى من سكون الصحراء ليتنفس فيه الشاعر بوحه، ويستلهم من صفحة سمائها ورمالها الذهبية أصدق المعاني وأعذب القوافي.
ما هي نصيحتك للأسماء الشبابية القادمة في عالم الشعر النبطي؟
الشاعر فواز الأسلمي: أنصحهم أولاً بالقراءة المكثفة لكبار الشعراء السابقين لفهم أصول الصنعة الشعرية ومعرفة موازين القافية والمعنى. وثانياً: أن يكتبوا بصدق وألا تكون غايتهم الأولى هي البحث عن الشهرة السريعة، فالشعر رسالة وأمانة أدبية وتاريخية، والقصيدة التي تُكتب باحثة عن رضا الجمهور فقط دون قناعة تامة من كاتبها تموت ولادتها.
يلاحظ الكثير انك بعيد عن الاعلام هل هناك اسباب تدعوك للابتعاد؟
والله يا طويل العمر، لو جيت للحق وفتشت عن السبب، بتلقى إن الابتعاد مهوب اختيار ولا ترف، بل هو فرض علينا الاعلام لم يبحث عننا او يقدم لنا الدعوات مثلما بادرتم انتم وطلبتونا للمقابلة فجزاكم الله كل خير .
كلمة تختم بها هذا الحوار لمحبيك ومحبي شعرك؟
الشاعر فواز الأسلمي: أقول لكل من تابع مسيرتي وشجعني، وحفظ بيتاً من شعري: شكراً من القلب. أنتم الرصيد الحقيقي لأي شاعر وبكم يستمر العطاء وتهون صعاب الكلمة. أعدكم بأن أظل دائماً عند حسن الظن مقدماً ما يليق بذائقة القارئ الوفي واشكر الأخ الغالي الفنان والإعلامي الصديق الوفي: أحمد يوسف الذي نسق هذا اللقاء . ويقف قلمي عاجزاً عن إيجاد المفردات التي تليق بحجم وقفاته الصادقة فمن مثله يُعرف بالوفاء ويُحتفى بمعدنه النقي . له مني خالص الشكر وعميق الامتنان على كل ما قدمته لأجلي وعلى تلك اللحظات الجميلة والمواقف الأصيلة التي عرّفت الناس عليّ وفتحت لي الأبواب لألتقي بالقلوب الطيبة من القراء . وسيضل هذا الحوار وسام صدق وأخوة لا يُمحى من الذاكرة. دمتم رمزاً للوفاء ولكم مني كل التقدير والمحبة
يسعدنا في ختام هذا اللقاء أن نتقدم بجزيل الشكر وعميق الامتنان للشاعر الكبير فواز الأسلمي على صراحته المعهودة، وطرحه الواعي، وقبوله لهذه الدعوة التي أخذتنا في رحلة ممتعة .لقد أمتعتنا بهذا البوح العفوي الصادق وزدتنا إبحاراً في عالمك الجميل .
بهذا نصل وإياكم إلى ختام لقائنا على أمل أن نلتقيكم في محطات أخرى مع رموز الإبداع والأصالة. دمتم في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بقلم - يحي البقمي / اشراف ومتابعة احمد يوسف