حين يتحدث التاريخ وينطق الحرف بماء الذهب يقف المرء إجلالاً أمام قامة عمالقة تركت بصماتها الخالدة في وجدان الأجيال وفي قلب الأرض والذاكرة الجنوبية يبرز اسم الشاعر الكبير مصبح قاسم كعمود من أعمدة الشعر والفن ورمز من رموز الأصالة الذي امتد عطاؤه عبر عقود طويلة من الإبداع والجمال.
لم يكن مصبح قاسم مجرد شاعر يكتب الأبيات بل كان صوتاً ينبض بالحياة وحكاية تروي طهر الكلمة وصدق الإحساس استطاع بحنكته الشعرية ودفء روحه أن يصنع مع رفقاء دربه أعمالاً فنية خالدة عبر زمن البساطة وشح الإمكانيات لتظل شاهدة على أن الإبداع الحقيقي لا يعترف بالظروف بل يصنعها من عزم الرجال ونقاء القلوب.
إننا اليوم أمام سيرة عطرة ومسيرة حافلة بالتضحيات والعطاء الغزير قامة تستحق كل الحب والتقدير والإجلال لأنها حافظت على هوية الفن الأصيل وهي شعلة مضيئة تضيء دروب المحبين والمهتمين بالثقافة والشعر الرفيع والتراث الشعبي العريق في وقتنا المعاصر.
الأسئلة والحوار
الشاعر الغنائي الأستاذ مصبح، بدايات الشعر كيف كانت البدايات الأولى لك مع الشعر وما هي الظروف أو المواقف التي أوقظت في داخلك هذه الموهبة التي وصلت بإحساسك للكثير من محبي الكلمة الأصيلة الراقية؟
مصبح قاسم: كانت بدايتي الشعرية في عام ١٤٠٠ هجري تقريبا حيث تربيت في كنف جدي أبو الوالدة الله يرحمه ويغفر له وكان شاعر محلي تراثي يعشق الشعر وهو لم يكن يقرأ ويكتب يعني أمي ولكنها شاعر بالفطرة وتأثرت من خلال سماعي لأبياته التراثية ورواياته للشعر تأثرت وانطلقت بقصائد شعرية نبطية لتأثري في ذلك الوقت بشعراء سبقونا أمثال الشاعر الأمير خالد الفيصل وطلال السعيد وعبدالله عبدالعزيز العليوي وبرنامج ونة قلب للمذيع الشاعر محمد الرشيد.
الشعر قديماً والحاضر، كيف ترى الشعر في الماضي مقارنة بواقعنا اليوم من حيث المضمون والتلقي والروح العامة للكلمة؟
مصبح قاسم: زمان كان الشعر يحاكي الوجدان والقلب وكان يُقال الشعر من الأعماق للأعماق لا تصاوير مصطنعة بالمعاني وتحس وتشعر أن الشاعر يكتب من القلب ليس من أجل الشهرة أو يقال إن فلان شاعر بدليل أن الأمير خالد الفيصل أخفى اسمه حتى لا يعرفه الناس وكان يكتب باسم دايم السيف وغيره الكثير من الشعراء.
بحكم أنك شاعر غنائي في الساحة الفنية من زمن قديم، كيف ترى واقع الساحة الفنية والغنائية الراهنة وما أبرز التغيرات التي لاحظتها فيها بحكم خبرتك والسنين الطويلة؟
مصبح قاسم: الشاعر الغنائي قديماً كان إذا كتب حرك المشاعر وكان إذا نزلت أغنية يسمعها الصغير قبل الكبير وتجد الكل يتابع ما يققال من ألحان وكلمات، فالقصيدة هي من تخلق الأغنية عكس اليوم الكل يغني عشان الشهرة أو المادة للأسف.
. زمن البساطة والنجاح، تعاوناتك الفنية السابقة مع الفنان جبران مكحل كانت مثمرة وناجحة للغاية رغم شح الإمكانيات وضعف التقنيات مقارنة اليوم، فكيف تجاوزتم تلك الصعاب لصناعة أعمال خالدة لازلنا نسمعها إلى الآن؟
مصبح قاسم: يسعدني أن أتقدم من خلال هذا اللقاء بأصدق التحايا والتقدير لرفيق الدرب وصديق العمر جبران مكحل الذي شكلنا أنا وياهُ ثنائي رائع تقريباً من عام ١٤٠٧ هجري. ابتدأ بأغنية من حبايبنا التي تم تسجيلها في شريط كاسيت نال إعجاب الجمهور كون اللحن تراثي، وتدري زمان مافي جهة تواصل بالجمهور إلا من خلال الجلسات والتسجيل بالكاسيت وكنا رغم شحة الإمكانيات إلا أننا جعلنا لأنفسنا طريق عطاء مميز في عطائنا الفني والحمدلله نزلنا كثير من الأعمال ونالت استحسان الجمهور.
روح الأغنية لماذا تغيرت، كيف تنظر إلى شكل الأغنية الحالية ولماذا برأيك فقدت جزءاً كبيراً من إحساسها ودفئها السابق؟
مصبح قاسم: بسبب غياب الأغاني الطربية الأصيلة وصارت أغلب الأغاني إيقاعات راقصة للأسف.
6. سرعة الأغنية المعاصرة برأيك، ما هي الأسباب التي جعلت الأغنية اليوم سريعة الاستهلاك وقصيرة العمر في وجدان المستمع؟
مصبح قاسم: زمان كنت أسمع لأم كلثوم أغنية لمدة ساعة أو أكثر اليوم تلقى الواحد لو شاف وقت الأغنية أكثر من خمس دقائق ما يسمعها إحنا في زمن السرعة .
الأغنية والثقافة، لماذا تراجعت قدرة الأغنية الحديثة على خدمة الثقافة والهوية مقارنة بالأغاني القديمة التي كانت وثيقة ارتباط بالمجتمع وتراثه؟
مصبح قاسم: لكل جيل ثقافته وذوقه وتراثه ودون فخر جيلنا شهد تطور الأغنية السعودية عاصرنا فنانين عظماء أمثال محمد عبده طلال مداح علي عبدالكريم عبدالمجيد محمد عمر وغيرهم من الفنانين والشعراء المبدعين والاميرخالد الفيصل وبدر بن عبدالمحسن رحمه الله وملحنين عظماء مثل محمد شفيق وسامي إحسان وغيرهم نسأل الله أن يرحمهم. الآن أعطني اسم يكون في مقام هؤلاء المبدعين والجواب يطول .
بصمتك الخاصة من بين كل القصائد والتعاونات التي قدمتها ونوع الكلمة الذي تشعر أنه يمثل روح مصبح قاسم الحقيقية هل هو العاطفي أو التراثي أو الكلاسيكي ولماذا؟
مصبح قاسم: أكيد الشعر العاطفي الصادق النابع من قلب الشاعر .
رسالة للأجيال الجديدة، ما هي النصيحة التي توجها للشعراء والملحنين والفنانين الشباب لكي يعيدوا الأغنية الأصيلة إلى مسارها الصحيح التقدير المادي للجهد لماذا لا يقدر الشاعر حق التقدير في وقتنا الحاضر بعد كل هذه السنين من العطاء ولماذا يطلب بعض الفنانين مبالغ مالية مقابل الغناء أو التعاون رغم أن الشاعر هو صاحب الحرف الأساس وهو القيمة الحقيقية للأغنية؟
مصبح قاسم: أتمنى منهم تقديم فن جميل مشرف يخدم الساحة الفنية ويضع بصمة تتوارثها الأجيال الشابة ويصنع للفن قيمة حقيقة ولا ينظرون للماديات في المقام الأول .
10. لماذا أكثر الفنانين تركوا التراث واتجهوا للأغنية التي لاتعبر عن الهوية الحقيقية للفن الشرقي بجميع ألوانه؟
مصبح قاسم: الأغاني التراثية تعتبر هوية الشعب وزمن معاصر عاشوه جيل قبلنا وكون هذا الفن عريق وكان يتم اختياره بعناية وقليل جداً من يجيد هذا التراث خاصة في الجنوب ولا ننسى فنانون الجنوب الذين برزوا في هذا المجال الفنان القدير صالح خيري والفنان جبران مكحل .
تعاونت مع عدة فنانين ومع الفنان الدكتور أحمد يوسف في مجموعة جميلة كيف كانت تجربتك وماهي تطلعاتكم للمستقبل في الأعمال القادمة؟
مصبح قاسم: الفنان الرائع أحمد يوسف تعاونت معه مؤخراً في مجموعة أغاني أداها بشكل مميز ولاقت هذه الأغاني انتشار واسع ولافتاً لجمال الصوت وروعة الألحان وإن شاء الله سوف نرى ما هو جميل وممتع والقادم أجمل بإذن الله .
غياب الوفاء للكلمة، لماذا وصل بنا الحال تجاهل قيمة الكلمة التي صنعت الإبداع الفني عبر العقود الماضية والسعي وراء الكلمة الهابطة هل هو بسبب المال أو تدني مستوى الذوق لدى بعض الفنانين؟
مصبح قاسم: نعم اخي يحي هذا الكلام صحيح والسبب الأكبر والحقيقي هو المادة والبحث عن الأغنية الراقصة الغير مألوفة .
كلمة أخيرة توجهها للشعراء والشاعرات وماهي نصيحتك للفنانين؟
مصبح قاسم: أشكرك اخي يحي وأشكر أخي وصديقي العزيز الفنان والإعلامي احمد يوسف أبو سعود الذي نسق لنا هذا الحوار الجميل الذي أسعدني وسعدت بكل الأخوة الصحفيين وشكرا للقراء متمنياً للجميع دوام الصحة والعافية، ونصيحة لكل فنان وشاعر أن يحسن الاختيار في الكلمة واللحن والأداء المميز ويحاولون بقدر المستطاع إرضاء أذواق الجمهور، لأن الفن والشعر والتلحين هواية جميلة لابد من إعطائها حقها، تحياتي للجميع والله يوفقكم جميعا للارتقاء بنا الى القراء العزيزين على قلوبنا .
في ختام هذا الحوار الماتع لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير للشاعر الكبير مصبح قاسم ابوعبدالله على تلبية الدعوة وإتاحة هذه الفرصة الثمينة ليغوص بنا في بساتين ذكرياته الجميلة ومسيرته الفنية العريقة التي تركت بصمة لا تُنسى في الوجدان .
والحقيقة جاء هذا اللقاء تلبيةً لرغبة ملحة من محبي الشاعر وعشاق حرفه الأصيل الذين طالما تذوقوا عذوبة كلماته وصدق إحساسه. متمنين له موفور الصحة والعافية شكرا يا ابو عبدالله ونتمنى لكم دوام التألق والخلود في ذاكرة الفن والتراث العريق
بقلم - يحي البقمي / اشراف ومتابعة احمد يوسف