جازان ـ الضياء الثقافية
بقلم . حسين شراح
في عالم يهرول خلف الأرقام وتتسابق فيه الأنفس نحو منصات الأضواء يبرز اسم الفنان مختار بركات كعلامة فارقة في التمسك بالمبادئ. لم يكن قرار اعتزاله مجرد غياب عن الساحة بل كان إعلانا عن ولادة إنسان اختار أن يستبدل بريق الشهرة بسكينة الروح وصفاء العقيدة.
في زمن اصبحت فيه الاضواء مطمعا والارقام لغة التفاهم الاولى يقف الفنان صاحب الصوت الندى مختار بركات شامخا امام تيار المغريات الجارف ليضرب مثلا حيا في الثبات على المبدأ والصدق مع الذات. مختار بركات الذي سكنت حنجرته قلوب المحبين لسنوات اختار ان يكتب فصلا جديدا في حياته عنوانه الزهد في بريق الشهرة والارتقاء نحو غايات اسمى.
صمود امام اغراءات الفن والشهرة والمال
شهدت الفترة الاخيرة تهافتا غير مسبوق من شركات الانتاج والمؤسسات الفنية الكبرى التي حاولت بشتى الوسائل اعادة هذا الصوت الاستثنائي الى الساحة. عروض مالية ضخمة وارقام فلكية وضعت على الطاولة وشروطا مغرية تضمن له تصدر المشهد من جديد. ولم يتوقف الامر عند العروض الرسمية بل امتد ليشمل دعوات للجلسات الخاصة بمبالغ يسيل لها اللعاب.
الا ان الرد جاء حاسما وواضحا ومنبعثا من قناعة راسخة: ان قرار الاعتزال ليس مجرد خطوة عابرة او مناورة للبحث عن المزيد بل هو قرار لا رجعة فيه. لقد اختار بركات ان يغلق هذا الباب نهائيا معتبرا ان ما مضى من مشواره الفني قد انتهى ليبدأ عهدا جديدا مع السكينة والروحانية.
ان موقف مختار بركات يعيد تذكيرنا بان القيمة الحقيقية للانسان تكمن في قدرته على قول "لا" حينما تتعارض المغريات مع قناعاته القلبية. هو لا يطلب مالا لشخصه ولا يبحث عن ثراء جديد بل يطلب العون لترك بصمة صوتية في رحاب القران الكريم تليق بجمال صوته الذي عرفه الناس به. ان عزة النفس التي اظهرها بركات برفضه للاموال الطائلة مقابل العودة للفن هي ذاتها القوة التي تدفعه اليوم لطلب الدعم من اجل ان يسجل القران الكريم بصوته كاملا .
لم يكن طريق الاعتزال مفروشا بالورود بل كان محفوفا بعروض يسيل لها اللعاب. تهافتت شركات الإنتاج الكبرى لتقديم عقود بمبالغ وأرقام فلكية لضمان عودته وتصدره للمشهد الفني من جديد. وامتدت هذه المغريات لتشمل دعوات خاصة بمبالغ ضخمة إلا أن رد بركات كان بمثابة صفعة في وجه المادة المفرطة. لقد أثبت أن عزة النفس لا تشترى بالمال وأن القناعات الراسخة أقوى من كل العقود الموقعة.
من الغناء إلى الترتيل: رحلة الارتقاء
إن فلسفة مختار بركات في رفضه للمال مقابل الفن ليست زهدا سلبيا بل هي طموح نحو غاية أسمى. هو لم يغلق باب الفن ليعتزل الحياة بل ليفتح بابا لا يغلق مع كلام الله. يطمح اليوم لوضع صوته الندى الذي أحبه الناس في خدمة القرآن الكريم ليسجل المصحف كاملا ليكون صدقة جارية وبصمة خالدة تتجاوز حدود الزمن والمكان.
عزة النفس والرسالة السامية
يعلمنا موقف هذا الفنان أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على قول "لا" أمام تيار المغريات الجارف. إن طلبه للدعم ليس من أجل شخصه أو لبناء ثروة جديدة بل هو نداء لخدمة مشروع روحي عظيم يهدف من خلاله إلى تخليد صوته في رحاب الذكر الحكيم.
مختار بركات يكتب اليوم فصلا جديدا في كتاب الصدق مع الذات مبرهنا أن الصوت الذي سكن القلوب لسنوات بإمكانه أن يسكنها مجددا ولكن هذه المرة بنور الهداية وجمال الترتيل بعيدا عن صخب الشهرة وزيف الأضواء.
