في المشهد الثقافي الموسيقي، ثمة أسماء لا تعبر كأرقامٍ في قوائم الفنانين، بل تتجذر كعلاماتٍ فارقة تخطّ ملامح الهوية وتمنح الزمان والمكان صوتهما الخاص. والفنان القدير والملحن الفذ صالح خيري هو أحد هؤلاء الحراس الأوفياء الذين لم يكتفوا بتقديم الأغنية، بل جعلوا منها وثيقةً ثقافية حية تحفظ الوجدان السعودي وتصونه من عاديات الزمن.
من هذا المنطلق، ولم تكن الخطوة مستغربة، جاءت الأمسية الموسيقية الفنية التي نظمتها جمعية الثقافة والفنون بجدة لتكريم هذا الرمز الكبير، كحالة من حالات الوفاء النبيل لرحلةٍ فنية باذخة العطاء، أثرت الساحة الفنية السعودية وأمدّت المكتبة الموسيقية بأعمالٍ ما زالت تنبض بالحياة في ذاكرة الأجيال.
هندسة الشجن والحفاظ على الجذور
تكمن عظمة تجربة صالح خيري في انحيازه المطلق للأصالة. في وقتٍ كانت فيه الموسيقى تتجاذبها رياح التغريب، وقف خيري متكئاً على إرثٍ فلكلوري وشعبي هائل، مبرهناً على أن الحداثة الحقيقية لا تعني قطع الصلة بالماضي، بل تعني إعادة إحيائه بروح العصر.
الصوت الإنساني الدافئ: امتلك خيري حنجرةً مثقلة بالدفء والصدق، صوتٌ يشبه تفاصيل الأرض الحجازية ونغماتها العتيقة، قادراً على النفاذ إلى الوجدان دون استئذان.
العبقرية اللحنية: كمُلحّن، لم يكن يتعامل مع النغم كقوالب صماء، بل كان يصيغ الألحان بروح العارف بخبايا المقامات الشرقية، مبرزاً جماليات المفردة الشعبية السعودية ومحافظاً على هويتها الثقافية كمكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية.
تكريم الرواد: ترسيخ لعمق القيمة
إن الاحتفاء الفاخر الذي شهدته ردهات جمعية الثقافة والفنون بجدة، وبحضور نخبة من صناع الثقافة والجمال، يحمل دلالة أعمق من مجرد الثناء؛ إذ أكد مدير الجمعية الأستاذ محمد آل صبيح أن الاحتفاء بالرموز هو "قيمة ثقافية وإنسانية راسخة". فالأمم التي تحتفي بمبدعيها إنما تحمي ذاكرتها الإبداعية، وتقدم للجيل الجديد من الموسيقيين الشباب النبراس الحقيقي الذي يضيء طريق الإبداع الأصيل.
ومن جانبه، التقط المحتفى به الفنان صالح خيري هذه الإشارات بامتنانٍ بالغ، معبراً عن شكره العميق لهذا الوفاء، ومؤكداً أن احتضان المؤسسات الثقافية لتاريخ الفنانين يمثل دافعاً حقيقياً لاستمرار العطاء، وحمايةً للمنجز الفني الذي تشكّل عبر عقود من الجهد والسهر والبحث في ثنايا النغم.
الأثر الباقي
تبقى أعمال صالح خيري، بأصواتها وألحانها، حكايةً ممتدة لا تنتهي بانتهاء ليلة التكريم. إنها مدرسة في التمسك بالهوية، ودرسٌ بليغ في كيف يمكن للفنان أن يكون مرآةً حقيقية لثقافة بلاده، ليظل اسمه منقوشاً بمداد من نور في سفر الأغنية السعودية الخالدة.
بقلم - احمد يوسف

