مع إطلالة كل صيف، تطوي الأسر صفحات عام دراسي حافل بالجد والاجتهاد، لتستقبل "الإجازة الصيفية" بوصفها واحة للراحة والاستجمام، وفرصة لاستعادة النشاط بعد عناءٍ طويل. إلا أننا نلحظ في الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً ومقلقاً في مفاهيم الإجازة، حيث طرأت على حياتنا اليومية عاداتٌ قلبت الموازين رأساً على عقب، وألقت بظلالها القاتمة على روتيننا الأسري والروحي.
انقلاب الليل نهاراً.. والنهار ليلاً
لقد أصبحت ظاهرة "السهر القهري" هي السمة البارزة؛ حيث تنام الأسر حتى ما قبل الظهر، وتستيقظ مع إطلالة الليل. هذا الجدول "المميت" للحياة الطبيعية لا يُعد مجرد تغيير في الأوقات، بل هو تعطيل شامل للساعة البيولوجية للإنسان، ومصادرةٌ لجمال النهار الذي جعله الله معاشاً. إن هذا النمط لا يقتل الوقت فحسب، بل يقتل متعة الإجازة التي أصبحت بالنسبة للكثرين مجرد غيبوبة طويلة عن واقع الحياة المشرق.
ضياع الفرائض.. الفاجعة الكبرى
إن أخطر ما يترتب على هذا الانعكاس في الجدول الزمني، هو التساهل في الصلاة المكتوبة. فالتأخر في النوم حتى ما بعد الظهر يتبعه طبيعياً تضييع لصلاة الظهر، ثم العصر، وفي أحيان كثيرة المغرب. إن الصلاة هي عماد الدين ورابطة العبد بربه، وتأخيرها أو تضييعها بحجة النوم هو تفريطٌ في أمانة عظيمة، لا تليق بأسرة تسعى لطلب البركة في وقتها وعمرها.
اضطراب النظم الغذائي والأسري
لم يقف الأمر عند ضياع الوقت والصلاة، بل امتد ليفكك "لمّة العائلة"؛ فبات الغداء مفقوداً، والعشاء صار غداءً، والفطور تحول إلى وجبة سحورٍ في جوف الليل. هذا الاختلال في أوقات الوجبات ليس مجرد تغيير في التوقيت، بل هو انسلاخ عن التقاليد الاجتماعية التي تجمع الأسرة حول مائدة واحدة، مما يؤدي إلى تفتيت الروابط العاطفية بين أفراد البيت الواحد.
نداء إلى الأم.. راعية البيت ومُقوّمة المسار
إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، ولكن الدور الأكبر يقع على كاهل الأم، فهي قلب الأسرة النابض، والمخطط الأول لجدول يوم أبنائها. إننا ندعو الأمهات –سددهن الله وأعانهن– إلى ضرورة استشعار المسؤولية التربوية والشرعية في إعادة ضبط بوصلة المنزل. فالأم هي التي تملك زمام المبادرة في غرس قيم احترام الوقت، والمحافظة على أداء الفرائض في أوقاتها، وتذكير الأبناء بأن الإجازة ليست تعطيلاً للحياة، بل هي استثمار لها في كل ما هو نافع وممتع.
إن الإجازة الناجحة هي التي توازن بين الراحة المباحة والالتزام الديني والاجتماعي. لنعلم أبناءنا أن جمال الصيف لا يكتمل إلا بجمال الصباح، وأن متعة الإجازة لا تُنال إلا ببركة الطاعة والانتظام. نسأل الله أن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالذكر والتربية الصالحة، وأن يعين أمهاتنا على أداء أمانتهن على أكمل وجه.
جازان - بقلم الشاعر- مصبح قاسم