في حضرة الشعر الأصيل، نجد أنفسنا أمام نص لا يتكلف المفردات، بل يسكب المشاعر سكبًا. قصيدة "كلما ناري انطفت" للشاعر مصبح قاسم (أبو عبدالله) هي نموذج للسهل الممتنع، حيث تأخذنا في رحلة دائرية تبدأ من "النار" وتنتهي بـ "الدمع"، وكأنها دورة حياة المحب المعذب.
ثنائية النار والحطب
يبدأ الشاعر باستهلال قوي يصور فيه حالة العشق كحالة وجودية لا تهدأ:
كُلِما ناريَ انطفتَ .. زدتها قازَ و حَطبَ
هذا البيت ليس مجرد وصف، بل هو إقرار باختيار "العشق" رغم وجعه؛ فالمحب هنا هو من يغذي ناره بنفسه، وهي صورة تراثية بامتياز تعكس "الوله" الذي لا يرتوي إلا بمزيد من الاشتعال.
كُلِما ناريَ انطفتَ
زدتها قازَ و حَطبَ
زاد شوقي وأشَعلَتَ
بالوله جمر و لهب
انَا روحي تبهذلت
والله اشَقاها التَعبَ
في هواكَ تَولعت
وانتَ تلعبيَ لِعب
انا نفسي تغَربلَت َ
واطلُبك اخِرَ طلب
واصليني لوسِمحَت
والأمَرَ ماهو صعبَ
كم عيوني اذرفت
دمعها يا ما انسٍكب
و لا تحَقَق ما طلبت
و الغياب عنِك صعب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شعر / مصبح قاسم أبو عبدالله
صدق المعاناة وعفوية اللفظ
استخدام الشاعر لمفردات مثل (تبهذلت، أشقاها التعب، تغربلت) يضفي صبغة واقعية وحميمية على النص. هو لا يتحدث من برج عاجي، بل يتحدث بلسان القلب المتعب الذي أضناه "اللعب" بمشاعره، واصفاً الحالة بحالة "الغربة" حتى وهو في قلب الهوى.
براعة التصوير في "ذرف العيون"
أكثر ما يلفت النظر في القصيدة، وهو ما استوقفني كمتذوق، هو ذلك الختام الذي انتقل فيه الشاعر من حالة "الاشتعال" إلى حالة "الانصباب". فبعد أن كانت القصيدة تتنفس ناراً، أصبحت تذرف دمعاً:
كم عيوني اذرفت .. دمعها يا ما انسكب
هنا نجد براعة في تصوير العجز؛ فرغم كل هذا "القاز والحطب" والشوق المشتعل، إلا أن النتيجة كانت دموعاً انسكبت دون أن تحقق المطلب. هذا التباين بين حرارة النار وسيولة الدمع يعكس صراعاً داخلياً مريراً يختصره الشاعر في صعوبة الغياب.
لقد نجح الشاعر مصبح قاسم في جعلنا "نتذوق" الوجع بمرارة مستساغة شعرياً، مقدماً نصاً غنائياً يفيض بالعاطفة، ومؤكداً أن الشعر الشعبي يظل هو الأقرب لوصف أنات القلوب.
صح لسان الشاعر، وسلمت ذائقتك الناقلة.
بقلم الفنان - د. احمد يوسف
