لم يعد خافياً على أي متذوق للموسيقى ذلك الشعور بالاختناق الناتج عن الكم الهائل من الأعمال الغنائية التي تُضخ يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع البث. لقد تحول الغناء من رسالة فنية وتعبير روحي راقٍ إلى "ظاهرة استهلاكية" عامة؛ الكل يريد أن يغني، بغض النظر عن امتلاكه لأدوات التخصص أو دراسة الصنعة.
وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً يؤرق كل عشاق الفن الجميل: لماذا غابت الألحان الخالدة التي كانت تترك أثراً عميقاً في الوجدان، ولماذا أصبحت الألحان الحالية متشابهة ومستهلكة لدرجة تفقدنا الشعور بشغف الاستماع؟
يمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال عدة أسباب جذرية تتشابك فيها التقنية، وعلم النفس الاستهلاكي، وانحدار المعايير النقدية.
أولاً: ديمقراطية التكنولوجيا مقابل "التخمة الصوتية"
في الماضي، كانت رحلة إنتاج أغنية تتطلب تضافر جهود حقيقية ومكلفة؛ بدءاً من الشاعر، مروراً بالموسيقار والفرقة الموسيقية الكبيرة (التخت أو الأوركسترا)، وصولاً إلى الاستوديوهات الباهظة وبطء خطوط الإنتاج. هذه الصعوبة شكلت "فلتر طبيعي" لا يمر عبره إلا الجادون وأصحاب المواهب الحقيقية.
أما اليوم، فقد أحدثت الثورة الرقمية وبرامج الإنتاج الصوتي (DAWs) ثورة أتاحت لأي شخص يمتلك جهاز حاسوب وميكروفوناً بسيطاً أن يسجل صوته ويوزع أغنيته وينشرها خلال ساعات. ورغم أن هذه التكنولوجيا أتاحت حرية الإبداع للجميع، إلا أنها أسفرت في المقابل عن:
إلغاء المعايير: غياب لجان الاستماع والرقابة الفنية التي كانت تقيم العمل قبل ظهوره للعلن.
الزحمة غير المبررة: ملايين الأصوات غير المؤهلة تتنافس على خطف الانتباه، مما خلق حالة من التلوث السمعي والتخمة التي تحجب الأصوات الحقيقية.
ثانياً: سيطرة "الإيقاع السريع" على عقل المستمع
الموسيقى هي مرآة العصر؛ وبما أن عصرنا الحالي يتميز بالسرعة، وتشتت الانتباه، وهيمنة مقاطع الفيديو القصيرة (مثل ريلز وتيك توك)، فقد انعكس ذلك بشكل مباشر على صناعة اللحن:
لحن الـ 30 ثانية: أصبح صناع الأغاني التجارية يتعمدون تصميم أجزاء قصيرة جداً ومكررة (Hooks) تتماشى مع التريندات البصرية السريعة، على حساب البناء اللحني المتكامل الذي يتطور تدريجياً ويأخذ المستمع في رحلة عاطفية.
غياب النَفَس الطويل: الألحان الخالدة في الماضي (مثل أعمال أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، طلال مداح، أو محمد عبده) كانت عبارة عن "ملاحم لحنية" تتشعب فيها المقامات وتتداخل الجمل الموسيقية بسلاسة وعمق، وهو ما يرفضه المستمع المعتاد على الوجبات السريعة موسيقياً.
ثالثاً: تسليع الفن وغياب الثقافة الموسيقية
تحولت صناعة الأغنية عند الكثيرين إلى "تجارة بحتة" تهدف إلى تحقيق المشاهدات والأرباح السريعة عبر خوارزميات المنصات.
الاستنساخ المبرمج: عندما يحقق لحن أو إيقاع معين نجاحاً تجارياً، يسارع العشرات لتقليده واستنساخ نفس القالب (Template)، خوفاً من المغامرة بتقديم شيء جديد قد لا يفهمه الجمهور المستهلك. هذا الاستنساخ المستمر هو ما أنتج هذا التشابه الممل والعقيم.
غياب الدراية بـ "الهندسة الصوتية والتوزيع": كما أشرنا سابقاً، التوزيع الموسيقي والهندسة الصوتية علوم دقيقة. الاعتماد على برامج التعديل التلقائي للصوت (مثل أوتوتيون) والبرمجيات الجاهزة دون فهم حقيقي للمقامات والهارموني، جعل الأغاني تشبه بعضها لدرجة التطابق، وكأنها خرجت من مصنع آلي واحد لا روح فيه.
رابعاً: أين الألحان التي تستحق الاقتباس؟
الألحان القديمة كانت تتفرع منها ألحان أخرى لأنها بُنيت على قواعد متينة من التراث والمقامات الشرقية الأصيلة ممزوجة بابتكار لحني حقيقي. كان الملحن يبحث عن "الجملة البكر" التي لم تُطرق من قبل. أما اليوم، وبسبب الإفراط في استخدام النغمات والمؤثرات الرقمية المكررة، استُهلكت معظم الأطياف النغمية البسيطة، ولم يعد هناك جهد حقيقي للبحث في أعماق الموسيقى، مما أدى إلى حالة من الجدب الإبداعي والعجز عن تقديم لحن يحتذى به أو يُقتبس منه.
الزحمة الحالية وصخب الأصوات غير المتخصصة هما ضريبة عصر الانفتاح الرقمي. ورغم أن المشهد الموسيقي يبدو مزدحماً ومحبطاً للمتذوق الحقيقي، إلا أن التاريخ يثبت دائماً أن الزبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. الألحان الاستهلاكية المتشابهة مصيرها النسيان مع انتهاء "التريند"، بينما يبقى الجوهر الأصيل والعلم الموسيقي الحقيقي وحدهما القادرين على صنع البقاء والابدااع .
بقلم - احمد يوسف
