الضياء - جازان/ بقلم - أ. مختار بركات
في زحمة الحياة، نميل غالباً إلى تأجيل "كلمة الشكر" و"لحظة التقدير" إلى ما بعد رحيل المبدعين. ننتظر حتى تصمت الأقلام، وتتوقف الريشات، وتخبو شعلة العطاء، لنقيم حفلات التأبين ونكتب المراثي. ولكن، هل فكرنا يوماً في الفرق الجوهري بين تكريم "يصل" إلى قلب صاحبه وهو في قمة عطائه، وبين تكريمٍ لا يسمعه إلا الصمت؟
إن تكريم المبدع وهو حي ليس مجرد لفتة بروتوكولية، بل هو فعل إنساني نبيل وعمل مؤسسي ذكي، يعيد صياغة العلاقة بين المجتمع وصنّاع الجمال والفكر.
لماذا نحتفي بالمبدع الآن؟
تتعدد الأسباب التي تجعل من التكريم في حياة المبدع ضرورة ملحة، لا ترفاً عاطفياً:
وقودٌ للمزيد من العطاء: المبدع إنسان، يذبل أحياناً تحت وطأة التهميش أو نكران الجميل. عندما يرى أن ثمار تعبه قد أينعت في عيون الناس، وأن جهده لم يذهب سدى، يكتسب طاقة جديدة للاستمرار، ويشعر أن رسالته قد وصلت وأن صوته مسموع.
بناء قدوات حية: عندما نكرم المبدع في حياته، نحن لا نكرمه لشخصه فحسب، بل نقدمه كنموذجٍ يحتذى به للأجيال الناشئة. إن رؤية المبدع وهو يُحتفى به تشجع الشباب على المضي قدماً في دروب الإبداع، وتزرع في نفوسهم أن المجتمع يقدر المتميزين.
إنصافٌ للذات والذاكرة: التكريم في الحياة هو أصدق أنواع الاعتراف. هو لحظة صدق تخرج فيها الكلمات من إطار "الرثاء الواجب" إلى إطار "التقدير الواعي". إنها فرصة لنقول للمبدع: "نحن نرى أثرك، ونحن ممتنون لوجودك بيننا".
تنمية الوعي الجمعي: المجتمعات التي تحترم مبدعيها وهي على قيد الحياة، هي مجتمعات تعلي من شأن الثقافة والمعرفة. التكريم يعكس نضج المجتمع وحضارته في فهم قيمة "العقل الإنساني".
التكريم ليس مجرد دروع وشهادات
لكي يكون التكريم حقيقياً ومؤثراً، يجب أن يتجاوز الاحتفالات التقليدية والدروع المعدنية. التكريم الحقيقي يتمثل في:
حفظ نتاج المبدع: الاهتمام بأعماله، أرشفة إنجازاته، وإتاحتها للجمهور والباحثين.
خلق فضاءات للحوار: منح المبدع مساحة ليتحدث عن تجربته، وتوثيق تلك التجارب لتكون مرجعاً للأجيال القادمة.
الاستفادة من خبرته: إشراك المبدع في المشاريع الثقافية أو الاستشارية، مما يشعره بأنه لا يزال جزءاً فاعلاً في حراك مجتمعه.
التكريم المعنوي قبل المادي: الاحتفاء بالمبدع في وسائل الإعلام، وتسمية قاعات أو شوارع أو جوائز باسمه، مما يخلد ذكره وهو لا يزال يرى ذلك بأم عينه.
ختاماً: لا تنتظروا رحيلهم لتقولوا "شكراً"
إن الفن، العلم، الأدب، وأي شكل من أشكال الإبداع، هو رحلة شاقة ومضنية. المبدع يقدم جزءاً من روحه ومن عمره ليجعل العالم مكاناً أجمل أو أكثر فهماً.
لنتوقف عن ثقافة "انتظار الغياب". دعونا نجعل من التكريم ثقافة يومية، فالمبدع الذي يُكرم وهو حي، هو مبدعٌ يعلم أن بذوره أثمرت، وأن رحلته لم تكن مجرد صرخة في وادٍ، بل كانت أثراً باقياً في ذاكرة الوطن والإنسانية.
التكريم في الحياة.. هو أثمن هدية نقدمها لمن أهدونا أجمل ما في أرواحهم.
