وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
آخر المقالات

 


الكلمة الطيّبة، وسحرِ أثرها إذا لامست شغافَ القلوب، وعظيمِ فعلها في بناء صروح المجتمعات. ولقد خلّد الدهرُ لنا من القول شعراً يطرب، ونثراً يُلهم، وخواطرَ تُنير. وما فتئ الإنسان منذ فجر التاريخ يُعنى باستقامة اللسان، ويتسامى بالبلاغة والفصاحة، ويراهما زينةَ العقل وتاجَ البيان.


وهذا كليمُ الله موسى -عليه السلام- يقف بين يدي ربّه، يسأله المدد، فيستظهر فصاحة أخيه هارون حُجّةً وبرهاناً، قائلاً في محكم التنزيل:  

{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص: 34].  

فكأنّ الفصاحة كانت له درعاً، والبيان سيفاً، يستعين بهما على تبليغ رسالة السماء.


ولقد درج أشراف مكة على ديدنٍ أصيل: أن يعهدوا بفلذات أكبادهم إلى مراضع البادية، ليُرضَعوا مع اللبنِ الفصاحةَ، وينشأوا على سليقة العرب الأولى. فتربّوا في كنف الصحراء، حيث اللغة بكرٌ لم تَشُبها لُكنة، والبيانُ صافٍ لم تُكدّره عُجمة. وكانت بنو سعدٍ بن بكر أشهرَ القبائلِ رعايةً، وأصفاها لساناً، وأكرمها شمائل. فما كان من عبدالمطلب إلا أن بعث بحفيده، سيدِ ولد آدم ﷺ، إلى ديارهم، فاحتضنته السيدة حليمة السعدية.  

وكان الحبيب المصطفى ﷺ يتيه فخراً بهذا النسب اللساني، فيقول: "أنا أعربُكم، أنا قرشيٌّ، واسترضعتُ في بني سعد بن بكر".  

فأيُّ شرفٍ بعد هذا الشرف؟ وأيُّ اعتزازٍ باللسان بعد هذا الاعتزاز؟


لقد أدركت العرب بفطرتها أنّ استقامة اللسان صونٌ للهُويّة، وحفظٌ للذات. فاللغة وعاءُ الثقافة، ومرآةُ الحضارة، وميزانُ القوة والضعف لأي أمة. إذا سمت اللغةُ، سما أهلها، وإذا وهنت، وهنوا. والشواهد على ذلك أوفرُ من أن تُحصى لمن يمَّم وجهه شطرَ كتب التاريخ والسير، فسيجد كنوزاً من الإيجاز المُعجز، والبلاغة الآسرة، والفصاحة شعراً ونثراً وخطابة.


وإنّ العربية لهي من ثوابت الأمة الراسخة، وركنٌ ركينٌ لا يُتزحزح. يستحيل التفريط بها، ويتعيّن تعلّمها وتعليمها للأجيال، لأنها مفتاح الدين وبوابته. لا سبيل إلى فهم الكتاب العزيز والسنة المطهرة فهماً سليماً إلا من خلال فهم لسان العرب المبين.


وقد كان صحابة رسول الله ﷺ أحرصَ الناس على الكلمة، وأشدهم عنايةً باستقامة اللسان. فهذا فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصدح قائلاً: "تعلّموا العربية فإنها من دينكم*. وما ذاك إلا لما يعلمه من جلالة قدر الكلمة في فهم الدين والتفقّه فيه. ويُروى عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: "رحم الله امرأً أصلح من لسانه" [اتفاق المباني، 1985م، ص137].


وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم -رضوان الله عليهم أجمعين- يحرصون على سلامة اللسان العربي حرصهم على أرواحهم، لأنه السبيل الأوحد إلى فهم القرآن الكريم فهماً صحيحاً، واستنباط أحكامه استنباطاً سديداً.  

ويُروى عن التابعي الجليل الحسن البصري أنه كان إذا زلّ لسانه بلحنٍ قال: "أستغفر الله". فقيل له في ذلك، فقال: "من أخطأ في العربية فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءاً".  

ولعِظم شأنها، ذهب الفرّاء إلى تفضيل علم النحو على الفقه. وسُئل الإمام الشافعي -رحمه الله- عن كثرة البدع في زمانه، فأجاب بكلمةٍ تزنُ الدنيا: "لبُعدِ الناس عن اللغة العربية".


ولعلّ بوادر اللحن بدأت تظهر وتنتشر في عصر الدولة الأموية، حتى صار الذي لا يلحن ندرةً تُشار إليها بالبنان. فقيل: "أربعةٌ لم يلحنوا في جدٍّ ولا هزل: الشعبي، وعبدالملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية".  

ويُروى أنه قيل لعبدالملك بن مروان: "لقد عجّل إليك الشيب يا أمير المؤمنين"، فقال: "شيّبني ارتقاءُ المنابر، ومخافةُ اللحن".  

فصدق من قال:  

يُكرِمُ المرءَ أن يَسلَمَ لسانُه  

فإذا رُمتَ من العلوم أجلَّها  

فأجلُّها منها مُقيمُ الألسنِ


وإنّ الواجب المحتّم علينا اليوم، نحن أحفاد الضاد، أن نعود إلى الكلمة فنُجلّها، وإلى العربية فنُحييها. أليست هي لغةَ الدين والتاريخ والشعر والأدب البديع؟ لغةَ الغزل والعشق والعلم والحكمة؟ لغةٌ طبعت بصمتها الخالدة على جبين العالم، ووسمت لغاتِ الأرض بوسامها، وستبقى شامخةً خالدةً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


بقلم: أحمد محمد ناصر المدير

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع